مدرسة تلا الثانوية بنات

مدرسة تلا الثانوية بنات
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حقيقة الإعجاز العددي في نسبتيَ البر والبحر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أ/أحمد ربيع الأبيض
Admin


عدد المساهمات : 550
تاريخ التسجيل : 19/07/2009
العمر : 57

مُساهمةموضوع: حقيقة الإعجاز العددي في نسبتيَ البر والبحر   الأحد يوليو 04, 2010 9:34 pm

حقيقة الإعجاز العددي في نسبتيَ البر والبحر




كتب : أ. خلاف الغالبي

بقسم : شبهات و فبركات

ملخص:

سنتناول في هذا البحث بالدراسة، أحد أشهر مقالات الإعجاز العددي في القرآن والمتعلقة بنسبتي كل من مساحة البر (اليابسة) ومساحة البحار والمحيطات على كوكب الأرض، وعدد المرات التي ذكرت فيها كلمة بر وكلمة بحر في القرآن الكريم، حيث توصل بعض الباحثين إلى وجود توافق مذهل بين الأمرين.
سنحاول في هذه الدراسة النقدية، أن نبين كيف أن هذا الربط كان مجانبا للصواب، بسبب عدم احترام الضوابط الصارمة التي وضعها العلماء والفقهاء لحماية أبحاث الإعجاز العلمي عامة من الشطط، كالتسرع وعدم عرض جميع الآيات الواردة في الموضوع، أو التعسف في إقحام آية أو معنى أجنبي عن الموضوع، بالإضافة إلى الخطأ في استخدام المعطى العلمي باعتباره حقيقة ثابتة.

الاعجاز العددي المزعوم:

تمثل محاولة الربط، بين عدد مرات ذكر كلمة بر وعدد مرات ورود كلمة بحر، في القرآن الكريم، وبين نسبة مساحة سطح اليابسة ومساحة البحار والمحيطات على كوكب الأرض، أحد أبرز مواضيع الإعجاز العددي في القرآن، فقد توصل البعض إلى وجود توافق عجيب بين الأمرين، حيث قالوا (ذكرت كلمة البحر (أي المياه) في القرآن الكريم اثنا وثلاثين (32) مرة، وذكرت كلمة البر (أي اليابسة) في القرآن ثلاث عشرة (13) مرة. فإذا جمعنا عدد كلمات البر وكلمات البحر فسنحصل على مجموع خمسة وأربعين (45). وبالتالي تكون نسبة كلمة بر إلى هذا المجموع هي 28.88%. وهي نفس نسبة مساحة اليابسة على كوكب الأرض، وتكون نسبة كلمة بحر هي71.11% وهي نفس نسبة مساحة البحار والمحيطات على كوكبنا , وبالتالي فإن البعض يرى في هذا الأمر "توافقا مذهلا" بين مقررات القرآن الكريم وبين معطيات العلم الحديث.

وقد تلقفت كثير من المواقع (العربية وغير العربية) على الشبكة العنكبوتية هذا "الاكتشاف" ونشرته على صفحاتها على أنه حقيقة مذهلة وفتح إعجازي كبير. فهل الأمر حقيقة كذلك؟، أم أن هذا البحث أفضت إليه العجلة وشابه تساهل في الالتزام بالشروط والضوابط الصارمة، التي وضعها العلماء والفقهاء لأبحاث الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؟. حيث جعلوا من بين المحترزات البحثية في مجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة "الاعتدال في بيان الحقائق الكونية بعد التأكد من ثبوتها وعدم الاندفاع العاطفي الذي يترجم انبهاراً وعدم اتزان.. وعلى الباحث أن يحذر من التعجل والإسراع إلى فكرة لمجرد أنها أعجبته؛ بل عليه التزام الحيدة البحثية وعدم التحيز لما يعرضه بل يتوجب عليه كذلك عدم الركون للقناعات الشخصية بل يجعل العلم الكوني بمثابة المرجع المرجح والملاذ الذي يركن إليه بإطلاق.".


الرد علي هذا الاعجاز العددي المزعوم:

سنحاول في هذه الدراسة النقدية أن نضع اليد على عدد من الهفوات التي تم ارتكابها أثناء محاولة تأكيد هذا التوافق والتطابق بين معطيات العلم الحديث وإشارات القرآن الكريم بخصوص نسبتي البر والبحر. و أعتقد أن هذه الأخطاء التي حدثت في هذا الموضوع من مواضيع الإعجاز العددي في القرآن الكريم، تتمثل بالأساس في التعامل عن غير قصد بنوع من الانتقائية مع النص القرآني. ويمكن إجمال هذه الهفوات فيما يلي:

أولا: اعتبار كلمة يَبَس لفظة دالة على البر (أي اليابسة)
جاء في لسان العرب في مادة (يبس): وأَرض يَبْس ويَبَس، وقـيل: أَرض يَبْس قد يَبِس ماؤُها وكلؤها، ويَبَس: صُلبة شديدة. والـيَبَس، بالتـحريك: الـمكان يكون رطباً ثم يَـيْبَس؛ ومنه قوله تعالـى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى} (طه:77). وبالعودة إلى السياق القرآني الذي وردت فيه لفظة يَبَس – وهو أمر يجب على الباحث في مجال الإعجاز العلمي ملاحظته ومراعاته-، وباعتبار الحدث التاريخي الذي تتناوله الآية الكريمة، يتضح لنا أن الأمر يتعلق بموضع في عمق البحر -{ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً}- فتحه الله لنبيه موسى عليه السلام ومن معه فترة وجيزة كانت كافية لتأمين نجاة الفريق المؤمن وغرق فرعون وجنوده. وسرعان ما عاد هذا الطريق في البحر لتغمره المياه وتغطيه بعد ذلك الحدث. وهذا في نظرنا دليل كاف لاستبعاد مفردة يَبَس من مرادفات البر أو اليابسة، لأنها تشير صراحة إلى موضع في أعماق البحر وليس على سطحه.

ثانيا: الاقتصار على كلمة بحر بصيغة المفرد.
لقد اكتفى الباحثون بحساب وعد كلمة بحر التي وردت في القرآن الكريم بصيغة المفرد اثنا وثلاثين (32) مرة، وأغفل المواضع والآيات التي وردت فيها نفس الكلمة بصيغة المثنى (بحران وبحرين) الواردة في خمسة (5) مواطن من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ } (الرحمن:19)، أو بصيغة الجمع (أبحر) والتي ذكرت مرة واحدة (1) في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (لقمان:27).
في اعتقادي، ليس هناك ما يسوغ استبعاد صيغتي المثنى والجمع لكلمة بحر (بحران وأبحر)، لأن الصيغ الثلاثة تشير إلى نفس المشهد من مشاهد كوكبنا الأرض، المتمثل في تلك المساحات والأحواض المائية الواسعة المعروفة بالبحار أو المحيطات أو البحيرات.

ثالثا: الاقتصار على كلمة بحر دون مرادفاتها الأخرى الواردة في القرآن الكريم.
يقول ابن منظور في لسان العرب (مادة بحر): وقد أَجمع أَهل اللغة أَن الـيَمَّ هو البحر، ويقول في مادة يمم: وقال الزجاج: الـيَم البحرُ .. ويقَع اسمُ الـيَم علـى ما كان ماؤه مِلْـحاً زُعاقاً، وعلـى النهر الكبـير العَذْب الـماء.
وقد وردت كلمة يم في القرآن الكريم سبع مرات، منها قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص:7).
ولعل منشأ هذا السهو من الباحث عن كلمة يم الواردة في القرآن الكريم، عائد إلى التركيز على عد الكلمات والألفاظ التي تشكل مفاتيح هذا الموضوع (بر وبحر)، بالاعتماد على برامج الحاسوب الخاصة بالقرآن الكريم أو من خلال اللجوء إلى بعض معاجم مفردات القرآن الكريم، والتي يمكن من خلالها التوصل إلى عدد المرات التي ذكرت فيها أي كلمة من كلمات القرآن الكريم. وذلك بمعزل عن سياق النصوص التي وردت فيها هذه الكلمات، مع عدم استعراض كل النصوص الواردة في الموضوع. وهي شروط لا غنى عنها للباحث في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
لو أن الباحث عاد إلى النصوص المختلفة الواردة في الموضوع وقرأها، لكان ذلك كفيلا بالتنبيه إلى أن القرآن قد استخدم كلمة بحر وكلمة يم للإشارة إلى نفس الشيء، يقول تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} (البقرة:50) ويقول أيضا: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} (طه:78).
فبالرجوع إلى معاجم اللغة العربية وبالاستناد إلى الآيات الواردة في هذا الباب، نجد أن القرآن الكريم قد استخدم مفردتين مترادفتين (بحر ويم) في نفس السياق القرآني وللحكاية عن نفس الحدث التاريخي المتمثل في نجاة موسى ومن معه وغرق فرعون وجنوده, لذلك فإنه – بالنسبة لي- لا وجه للاقتصار على كلمة بحر وإغفال مرادفتها لفظة يم في هذا البحث العلمي.

رابعا: إغفال كلمة أرض الواردة بمعنى اليابسة.
ذكرت كلمة أرض في القرآن الكريم في أربعمائة وخمسة وعشرين (425) موضع، وهي ترد بثلاثة معان مختلفة:

1- ترد كلمة أرض بمعنى كوكب الأرض ككل (البر و البحر)، كقوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } (ص:66). وهو المعنى الأكثر ورودا (في حوالي ثلاثمائة وتسعين موضع)؛
2- وترد بمعنى التربة وذلك في بضع آيات منها قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فصلت:39)؛
3- كما ترد بمعنى اليابسة، وذلك في ثلاثين موضع من القرآن الكريم – على الأقل-، كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان:27). في هذه الآية نجد أن لفظة (الأرض) قد وردت في مقابلة لفظتي (بحر وأبحر)، ومع ذلك لم يتم عدها ضمن المفردات الدالة على اليابسة وتم الاكتفاء بكلمتي بر و يَبَس. وهذا ما يعضد ما ذهبت إليه في الفقرات السابقة من كون الباحث لم يستعرض كل الآيات الواردة في الموضوع، وأغراه التوافق الذي رآه بين نسبة عدد كلمات (بر) ونسبة مساحة سطح اليابسة على كوكبنا، وبين نسبة عدد كلمات (بحر) ونسبة المساحة الإجمالية للبحار والمحيطات، فتعجل الوصول إلى النتيجة -التي وقعت موقعها الحسن في نفسه- دون أن يتقيد بشروط وضوابط وخطوات إعداد بحث في مجال الإعجاز العلمي.

خامسا: نسب البر والبحر في القرآن في ضوء الملاحظات السابقة.

بعد عرض هذه الملاحظات قمت بحساب نسب الكلمات الدالة على البر ونسب الكلمات الدالة على البحر، الواردة في القرآن الكريم ، آخذا بعين الاعتبار الملاحظات والهفوات التي – في اعتقادي- شابت البحث الأصلي.
ويتضح من النتائج المحصل عليها ، أنه كلما تمت إضافة لفظة جديدة (أو حذفها) إلى الموضوع كلما تغيرت النسب، إلى أن أصبحت النسبتان – باعتبار جميع النصوص والسياقات القرآنية الواردة في الباب- جد متقاربتين (48.28% بالنسبة للفظة بر ومرادفاتها و51.72% بالنسبة لكلمة بحر ومرادفاتها)، وهما نسبتان بعيدتان كل البعد عن نسبة مساحة سطح اليابسة ونسبة مساحة البحار والمحيطات على كوكب الأرض. و بذلك ينتفي – في نظري- كل إعجاز تم توهمه والتسرع بإعلانه بخصوص التوافق بين نسب ورود هذه الكلمات في القرآن وبين المعطيات العلمية الخاصة بهذه النسب.

سادسا: مدى صحة المعطيات العلمية المعتمدة في نسبتي البر والبحر.
يقول الدكتور عبد الله المصلح : "إن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يمثل شاهداً إضافياً على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستوي في ذلك الحكم إن كان الإعجاز العلمي قرآنياً أم بالسنة، ومن هنا فإن الادعاء بوجود إعجاز علمي لا يسلم به إلا بعد ثبوت تحقيق مناطه والذي يتمثل بحقيقتين هما:

أولاً : ثبوت اكتشاف هذه الحقيقة من قبل العلماء بشكل مستقر وذلك بعد برهنة المتخصصين في مجالها على ثبوتها؛
ثانياً : صحة الدلالة على تلك الحقيقة في نص من نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وذلك دون تكلف أو اعتساف في الاستدلال..".
وبالتالي، فلو فرضنا جدلا أن الاختيارات التي ذهب إليها الباحثون من اعتماد كلمتي بر و يَبَس دون لفظة الأرض، والاقتصار على كلمة بحر المفردة دون لفظة اليم، كانت اختيارات صائبة. وأن المطابقة بين دلالة النص القرآني وبين المعطى العلمي قد تحققت، فهل شرط ثبوت اكتشاف الحقيقة العلمية بشكل مستقر متحقق، حتى نسلم بثبوت تحقيق مناط الإعجاز العلمي في موضوع نسبتي البر والبحر!؟.

لقد ارتكز هذا البحث على معطى علمي مفاده أن نسبة مساحة سطح اليابسة تمثل حوالي 29% من إجمالي مساحة كوكب الأرض، وأن نسبة مساحة البحار والمحيطات تمثل حوالي 71% من هذه المساحة. وهذا يستلزم اعتبار هاتين النسبتين حقيقة علمية ثابتة مستقرة. بمعنى أنهما ثابتتان لا تتبدلان ولا تتغيران بتغير الأزمنة والعصور الجيولوجية.
هذا الافتراض ظن صحته غير واحد من الباحثين، فهذا أحدهم يقول: "إن تحديد نسبة مساحة سطح اليابسة إلى مساحة سطح المحيطات لم يتم بطريقة عشوائية بل تم تقديره بشكل بالغ حيث بينت دراسات العلماء أن أية زيادة أو نقصان فيها قد يحول دون ظهور الحياة على الأرض."؛ و يرد آخر على السؤال: لماذا ثلثي سطح الكرة الأرضية مغطى بالماء، ما الحكمة من ذلك؟، بما يلي: "يقول العلماء إن الماء ضروري جداً لاستمرار الحياة فمن دون الماء لا تستمر الحياة. وبسبب التنوع الكبير على سطح الأرض وما خلق الله من طيور وحشرات وكائنات دقيقة ومخلوقات برية وبحرية، فإن هذه الكمية تحتاج للماء. لنعكس هذه النسبة فنفرض أن كوكبنا ليس فيه إلا ثلثه ماء وثلثيه يابسة، ماذا سيحدث؟ أول شيء سترتفع درجة حرارة الغلاف الجوي بشكل يحرق الكائنات الحية على ظهرها! ثم إن كمية الأمطار ستقل كثيراً وهذا سيساهم في جفاف الكرة الأرضية وتحولها إلى صحارى بمرور الزمن. وانظروا معي كيف أن علماء البيئة يحذرون اليوم من أن ذوبان بعض الكتل الجليدية في المحيطات المتجمدة سيجلب على الأرض الكوارث وسيرفع معدل حرارة الأرض بمقدار درجة أو أكثر. وهذا سيسبب الجفاف والعواصف والأعاصير والتسونامي وغير ذلك من الظواهر الخطيرة، ولذلك فإن حكمة الله تعالى اقتضت أن يختار النسبة الدقيقة جداً لكمية الماء على الأرض، تماماً كما اختار النسبة الصحيحة للأكسجين في الغلاف الجوي، فلو كانت أكبر بقليل لتحول إلى غاز منفجر يحرق الأرض بمن عليها، ولو كان أقل بقليل لمات الناس اختناقاً، فسبحان الله!.".

في الفقرات اللاحقة، سنقوم بعرض عدد من أقوال العلماء المتخصصين في مجال علوم الأرض والمناخ...، التي تفند هذا الزعم وتدفع هذا الوهم، وتبين بما لا يدع مجالا للشك أن ما هو معروف وسائد علميا، والذي عليه استقرت آراء ذوي الاختصاص، أن نسبتي البر والبحر على كوكبنا لا تفتأ تتعرض للتغيير على امتداد الأزمنة والعصور، قبل ظهور الحياة وبعدها وقبل ظهور الإنسان وبعده:

1- يقول الدكتور زغلول النجار في معرض الحديث عن إعجاز القرآن في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(الرعد:41): في إطار دلالة لفظ الأرض على اليابسة التي نحيا عليها، نجد معنيين علميين واضحين لإنقاص الأرض من أطرافها هما:
● العمليات المتكررة لإنقاص الأرض من أطرافها، بمعنى أخذ عوامل التعرية المختلفة من المرتفعات السامقة وإلقاء نواتج التعرية في المنخفضات من سطح البحر حتى تتم تسويتها والتي تعرف بدورة التسهيب (peneplanation cycle)، وتمثل سنة دائبة من سنن الله في الأرض.
ومن خلال هذه الدورة، فإن منسوب قارة أمريكا الشمالية يتعرض للانخفاض بمعدل يصل 0.03 ملمتر في السنة حتى يغمرها البحر..؛
● ظاهرة طغيان مياه البحار والمحيطات على اليابسة، حيث تؤكد المصادر العلمية أن الأرض بدأت منذ القدم بمحيط غامر ثم بتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض والثورات البركانية المصاحبة له بدأت جزر بركانية عديدة في التكون في قلب هذا المحيط الغامر وبتكرار تصادم تلك الجزر البركانية تكونت القارة الأم ، التي تجزأت بعد ذلك إلى القارات السبع الحالية. وتبادل الأدوار بين اليابسة والماء هو سنة أرضية تعرف باسم "دورة التبادل بين المحيطات والقارات"، وبواسطتها تحولت أجزاء من اليابسة إلى بحار والعكس.


"لقد حدث توزع القارات الحالي خلال الخمسة وستين(65) مليون سنة الأخيرة. وما برحت القارات حتى اليوم تنزاح، فالمحيط الأطلسي يتسع بمقدار عدة سنتمترات كل سنة والمحيط الهادئ يضيق. ويعتبر البحر الأحمر جزءا من صدع في القشرة الأرضية سوف يتسع ليولد محيطا جديدا بعد ملايين السنين."

2- العلاقة الوطيدة بين مستوى سطح البحار وبين نسب اليابسة والمحيطات وبين مناخ الأرض:
● يشير دوديكير وزملاؤه (De DEKKER & al) (2002) ، إلى ارتباط الزيادة في حجم مساحة سطح اليابسة – خلال الدروة الجليدية الأخيرة- بتراجع مستوى سطح البحار؛
● ويقول دوديكير (2001) في بحثه (The role of tropical oceans in climate forcing : evidence from the Indo-Pacfic Warm Pool during the Quaternary ) : إن أدنى تغير في نسبة مساحة سطح اليابسة إلى مساحة البحار والمحيطات – والعائد إلى التغير الدوري في مستوى سطح البحر المميز للزمن الرابع - يؤثر بشكل كبير على المناخ. ومن المحتمل جدا أن يحصل هذا التأثير على مستوى كوكب الأرض كله؛


3- جاء في بحث (ارتفاع مستوى سطح البحر) المنشور على صفحات الموسوعة الحرة ويكيبيديا - في معرض الحديث عن تغيرات مستوى سطح البحر على المدى الطويل أن التغيرات التي تطرأ على شكل الأحواض المحيطية وعل توزيع اليابسة/البحار والمحيطات، تطال مستوى سطح البحر.
وبالاعتماد على نظرية الألواح التكتونية، يمكن تفسير التأرجحات القوية في منسوب سطح البحار والمحيطات التي تتم على مدى بعيد جدا، حيث إن الغلاف الصخري القاري يزداد سمكا منذ بداية الأزمنة الجيولوجية، وينتج عن هذا نمو مساحة القارات وتراجع مساحة المحيطات وبالتالي يرتفع مستوى سطح المحيطات.
من جهة أخرى، خلال فترات الانتهاض (تكون السلاسل الجبلية نتيجة التصادم بين الألواح). يتعرض الغلاف الصخري القاري للانضغاط، الأمر الذي يؤدي منطقيا إلى تمدد المساحات المحيطية فيحدث تراجع بحري عام. بعد ذلك عند انتهاء تكون الجبال تعود عملية التعرية لتسود، فيتم نقل المادة القارية بعد انتزاعها من الجبال الحديثة التكوين إلى أعماق المحيطات. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع بطيء لمستوى سطح البحر، كما تتعرض المساحات القارية لطغيان بحري شامل...

فعلى سبيل المثال، خلال آخر عصر جليدي (منذ 18000 سنة)، كان مستوى سطح البحر أخفض بمائة وعشرين (120) متر مما هو عليه الآن ..، بحيث إن خط الساحل كان أبعد – باتجاه وسط الأحواض البحرية- بعدة كيلومترات مما هو عليه حاليا. وخلال هذه الفترة التي كان فيها منسوب سطح مياه البحر منخفضا بشكل كبير، كانت قارة آسيا متصلة بألاسكا، الأمر الذي سمح – كما يظن العلماء- بهجرة الإنسان باتجاه أمريكا مشيا على الأقدام.
إن مثل هذه التأكيدات العلمية كثيرة جدا بحيث يصعب حصرها، وإنما اكتفينا ببعضها، بهدف إبراز وتبيان خطأ المعطى العلمي، الذي اعتبر حقيقة ثابتة ومستقرة في هذا الموضوع، فأدى إلى العجلة في إعلان وجود إعجاز عددي في القرآن الكريم بخصوصه.
وأحب أن أؤكد أن من أبجديات المعلومات العلمية، لدى أهل الاختصاص ولدى الطلبة (على حد سواء) في مجال علوم الأرض، أن مستوى سطح البحر (Sea Level) لا يعرف قرارا ولا استقرارا، وأن تغيراته مرتبطة ارتباطا وثيقا بتغير المناخ (السخونة warmوالبرودة Cold )، وبتغير نسب مساحة اليابسة والمياه على كوكب الأرض. وأن هذه التبدلات والتحولات تكون تارة باتجاه الزيادة وتارة باتجاه النقصان، وتمثل خاصية من أهم خصائص الزمن الرابع الذي نعيش حاليا ثاني عصريه (الهولوسين). وما هذه النسب المتداولة اليوم، والمبثوثة في الكتب والمقررات الدراسية وغيرها.. إلا قياسات لمساحات التضاريس الحالية لكوكب الأرض، يقول الدكتور زغلول النجار في معرض تفسيره لقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} (الذاريات:48) : "تقدر مساحة سطح الأرض الحالية بحوالي 510 ملايين كيلومتر مربع، منها 149 مليون كيلومتر مربع يابسة تمثل حوالي 29% من مساحة الأرض، و361 مليون كيلومتر مربع مسطحات مائية تمثل الباقي من مساحة سطح الأرض (71%)...".


ويبين تطور نسبة مساحة سطح اليابسة (Land) إلى مساحة المحيطات (Oceans)، عبر امتداد الحقب والعصور والأزمنة الجيولوجية الموسومة بتواجد الحياة خلالها على وجه الأرض (منذ حوالي 570 مليون سنة). وهو ما يفند ما زعمه البعض، من كون دراسات العلماء قد بينت أن أية زيادة أو نقصان في نسب مساحة سطح اليابسة إلى مساحة سطح المحيطات، قد يحول دون ظهور الحياة. فالشكل يوضح أن هذه النسبة ما فتأت تتأرجح على مر العصور في الوقت الذي عرفت فيها مظاهر الحياة النباتية والحيوانية نموا مطردا، كان آخر تمظهراته خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، بعد أن سخرها له الله وهيأ له فيها جميع سبل العيش وأسبابه، مصداقا لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (البقرة:29).

[center]خاتمة.

لقد سعيت في هذا البحث، إلى إبراز قيمة وأهمية الشروط والضوابط والمحترزات الصارمة، التي وضعها أهل الخبرة لكل من أراد الاشتغال في مجال الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، بهدف حماية الأبحاث المنجزة من الزلل ومن الشطط. وذلك حتى تقطع الطريق على أولئك المرجفين (من بني جلدتنا ومن خصوم الأمة وأعدائها)، الذين لا يفتئون يتحينون الفرصة تلو الفرصة للتشكيك في هذا الدين، وإبعاد الناس عن الاهتداء به وإليه، تارة بالنيل من شخص رسولنا الكريم – صلوات الله وسلامه عليه- والإساءة إليه والاستهزاء برموز الإسلام، وتارة بالطعن في القرآن الكريم والتشكيك في مصدريته الإلهية، وأخرى بمحاولة صرف الناس عن السنة النبوية الشريفة بدعوى أنها أقوال وأفعال ومقررات بشر عادي... من خلال الركوب على ما قد يبدو أنه تناقضات في النص القرآني أو الحديثي، أو إشارات فيها قد يتوهم عدم توافقها مع حقائق العلم الحديث.
ولعله قد تبين بالمثال الذي عرضته، كيف أن التساهل في الأخذ بهذه الضوابط والشروط أو الإخلال بها (أو ببعضها)، من شأنه أن يؤدي إلى استنتاجات خاطئة والقول بأوجه للإعجاز العلمي في الكتاب والسنة لا وجود لها حقيقة.
ولابد من الإشارة في الأخير، إلى أن الباحث الذي يلتزم بهذه الضوابط والشروط قدر المستطاع ويستفرغ وسعه ولا يأل جهدا في الدرس والبحث والتمحيص، إذا خلص إلى نتيجة تبين خطأها فيما بعد. فإن خطأه مغتفر بل إنه يؤجر عليه بإذن الله، وخطأه ذاك لا يحط من قيمته ومكانته العلمية في شيء، كما لا ينال ذلك الخطأ من جهة الباحث المفسر من قدسية مقررات القرآن {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 42). وهي ذريعة يستشهد بها معارضو أبحاث الإعجاز العلمي الذين لا يرون جواز تفسير النص المقدس الثابت بمعطى علمي نسبي لا يفتأ يتبدل ويتغير مع الزمن.

للتواصل مع الكاتب: أ. خلاف الغالبي

(أستاذ باحث. شعبة الجغرافيا. كلية الآداب. جامعة محمد الأول- المغرب)

البريد الاليكتروني: elghalbi@menara.ma
study
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حقيقة الإعجاز العددي في نسبتيَ البر والبحر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدرسة تلا الثانوية بنات :: المنتدى العام :: المنتدى العلمي-
انتقل الى: